عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
382
اللباب في علوم الكتاب
يقال لمن به مرض : ماذا عليه لو كان صحيحا ، ولا يقال للمرأة : ماذا عليها لو كانت رجلا ، وللقبيح : ماذا عليه لو كان جميلا كما لا يحسن هذا القول من العاقل ، كذلك لا يحسن من اللّه - تعالى - . وقال القاضي عبد الجبّار « 1 » : لا يجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتّصرّف في الصّفقة « 2 » ، ويحبسه بحيث لا يتمكّن من مفارقة الحبس ، ثم يقول له : ماذا عليك لو تصرّفت ، وإذا كان من يذكر مثل هذا الكلام [ سفيها ] « 3 » دل ذلك على أنّه على اللّه - تعالى - غير جائز واعلم أن ممّا تمسّك به المعتزلة من المدح والذّمّ والثّواب والعقاب ، معارضتهم بمسألة العلم والدّاعي . قال ابن الخطيب « 4 » : قد يحسن منه ما من غيره ؛ لأن الملك ملكه . ثم قال : وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً أي : عليم ببواطن الأمور كما هو عليم بظاهرها ، وهذا كالرّدع للمكلّف عن القبائح من أفعال القلوب ؛ مثل النّفاق والرّياء والسّمعة . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 40 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ( 40 ) لمّا بيّن أنه عليم ببواطنهم وظواهرهم ، بيّن أنّه كما علمها ، لا يظلم مثقال ذرّة منها . قوله : مِثْقالَ ذَرَّةٍ فيها وجهان : أحدهما : أنه منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي : لا يظلم أحدا ظلما وزن ذرّة « 5 » ، فحذف المفعول والمصدر ، وأقام نعته مقامه ، ولمّا ذكر أبو البقاء « 6 » هذا الوجه ، قدّر قبله مضافا محذوفا ، قال تقديره : ظلما قدر مثقال ذرّة ، فحذف المصدر وصفته ، وأقام المضاف إليه مقامه ، ولا حاجة إلى ذلك ؛ لأن المثقال نفسه هو قدر من الأقدار ، جعل معيارا لهذا القدر المخصوص . والثاني : أنه منصوب على أنه مفعول ثان ل « يظلم » ، والأوّل محذوف ؛ كأنهم ضمّنوا « يظلم » معنى « يغصب » أو « ينقص » فعدّوه « 7 » لاثنين ، والأصل أن اللّه لا يظلم أحدا مثقال ذرّة . والمثقال مفعال من الثّقل ، يقال : هذا على مثال هذا ، أي : وزنه ، ومعنى الآية : أنه - تعالى - لا يظلم أحدا « 8 » لا قليلا ولا كثيرا ، وإنما أخرجه على أصغر ما يتعارفه النّاس ؛
--> ( 1 ) ينظر : السابق . ( 2 ) في أ : النفقة وفي الرازي الضيعة . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 82 . ( 5 ) في أ : الذرة . ( 6 ) ينظر : الإملاء 1 / 180 . ( 7 ) في أ : فعله . ( 8 ) في أ : مثقال ذرة .